العيني

127

عمدة القاري

أول من العمرين ، وإن كان معناه الصفة تقول : رأيت زيداً أول من عامنا ، فأول بمنزلة : قبل ، كأنك قلت : رأيت زيداً عاماً قبل عامنا ، فحكم له بالظرف حتى قالوا : أبدأ بهذا أوله ، وبنوه على الضم كما قالوا : أبدأ به قبل ، فصار كأنه قطع عن الإضافة . ومن النصب على الظرف قوله تعالى : * ( الركب أسفل منكم ) * ( الأنفال : 42 ) كما تقول : الركب أمامك ، وأصله الصفة ، وصار : أسفل ، ظرفاً . والتقدير : والركب في مكان أسفل من مكانكم ، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، فصار : أسفل منكم ، بمنزلة : تحتكم ، ومن لم يجعل أولاً صلة صرفه بمنزلة : فكل ، الذي هو بمعنى : الرعدة . وليس فيه إلاَّ وزن الفعل . تقول : ما ترك لنا أولاً ولا آخر ، كقولك : لا قديماً ولا حديثاً . قوله ( لما رأيت ) بكسر اللام و : ما ، موصولة ، والعائد محذوف . و : من ، بيانية تقديره : للذي رأيته من حرصك . أو تكون : ما ، مصدرية و : من ، تبعيضية ، وتكون مفعول : رأيت ، والتقدير . لرؤيتي بعض حرصك . قوله : ( على الحديث ) يتعلق بالحرص . قوله : ( أسعدُ الناس ) كلام إضافي مبتدأ . والباء في : ( بشفاعتي ) يتعلق به : ( ويوم القيامة ) نصب على الظرفية . وقوله : ( من قال ) في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ . و : ( من ) ، موصولة . وقوله : ( خالصاً ) ، حال من الضمير الذي في : ( قال ) . وقوله : ( من قلبه ) يجوز أن يتعلق بقوله : خالصاً ، أو بقوله : قال . والظاهر أن يتعلق : بقال . فإذا تعلق : بقال يكون ظرفاً لغواً ، وإن تعلق بخالصاً ، يكون ظرفاً مستقراً ، إذ تقديره حينئذٍ ناشئاً من قلبه ، واللغو لا محل له من الإعراب . والمستقر هنا منصوب على الحال . بيان المعاني : قوله : ( من أسعد الناس ) أسعد : أفعل ، والسعد هو اليمن ، تقول منه : سعد يومنا يسعد سعوداً ، والسعودة خلاف النحوسة ، والسعادة خلاف الشقاوة ، تقول منه : سعد الرجل بالكسر فهو سعيد ، مثال : سلم فهو سليم . وسعد ، على ما لم يسم فاعله ، فهو : مسعود . فإن قلت : أسعد ، هنا من أي الباب ؟ قلت : من الباب الثاني ، وهو من باب : فعل يفعل بالكسر في الماضي والفتح في الغابر ، والأول من باب : فعل يفعل ، بالفتح في الماضي والضم في الغابر . فإن قلت : أفعل التفضيل يدل على الشركة ، والمشرك والمنافق لا سعادة لهما . قلت : أسعد ههنا بمعنى سعيد ، يعني سعيد الناس ، كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، يعني عادلا بني مروان ، ويجوز أن يكون على معناه الحقيقي المشهور ، والتفضيل بحسب المراتب أي : هو أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته ، وكثير من الناس يحصل له سعد بشفاعته ، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها ، فإن النبي ، عليه السلام ، يشفع في الخلق بإراحتهم من هول الموقف ، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب ، كما صح في حق أبي طالب ، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها ، وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن يستوجبوا دخولها ، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب ، وفي بعضهم برفع الدرجات فيها ، فظهر الاشتراك في مطلق السعادة بالشفاعة ، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص . قوله : ( بشفاعتك ) ، الشفاعة مشتقة من الشفع ، وهو ضم الشيء إلى مثله ، كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه ، والشفاعة : الضم إلى إلى آخر معاوناً له ، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى . وقال ابن بطال : فيه دليل على أن الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص خاصة ، وهم أهل التوحيد ، وهذا موافق لقوله ، عليه الصلاة والسلام : ( لكل نبي دعوة ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً ) . قلت : هذا الحديث مع غيره من الآيات والأحاديث الواردة في الباب ، الجارية مجرى القطع ، دليل على ثبوت الشفاعة . قال عياض : مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً ، ووجوبها بصريح الآيات والأخبار التي بلغ مجموعها التواتر لصحتها في الآخرة لمذنبي المؤمنين . وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة على ذلك ، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها ، وتأولت الأحاديث على زيادات الدرجات والثواب ، واحتجوا بقوله تعالى : * ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) * ( المدثر : 48 ) * ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) * ( غافر : 18 ) وهذه إنما جاءت في الكفار ، والأحاديث مصرحة بأنها في المذنبين . وقال : الشفاعة خمسة أقسام . أولها : الإراحة من هول الموقف . الثانية : الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ، وهذه أيضاً وردت للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، كما جاء في الصحيح . وقال الشيخ تقي الدين القشيري : لا أعلم هل هي مختصة أم لا ؟ قلت : يريد القاضي بالصحيح ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ، وفيه : ( فأنطلق تحت العرش فأقع ساجداً ) ، وفيه : ( فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ) ، وشبهه من الأحاديث . الثالثة : قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عدم دخولهم فيها ، قال القاضي : وهذه أيضاً يشفع فيها نبينا محمد ،